منذ بداية الصراع العسكري في فبراير 2022، لم تقتصر الحرب بين روسيا وأوكرانيا على ساحات المعارك التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني لتشكل ما يُعرف ب الحرب السيبرانية Cyberwarfare. أصبحت الهجمات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية العسكرية، حيث استهدفت البنية التحتية الحيوية الأوكرانية بشكل ممنهج، مما كشف عن أبعاد جديدة للصراعات الحديثة.
استهداف البنية التحتية الحيوية: لماذا؟
تعتبر البنية التحتية الحيوية، مثل قطاعات الطاقة، الاتصالات، والنقل، شريان حياة أي دولة. استهدافها يهدف إلى إضعاف الروح المعنوية للسكان، تعطيل الخدمات الأساسية، وزعزعة استقرار الحكومة. في حالة أوكرانيا، سعت روسيا إلى شل قدرات البلاد على التواصل وإدارة الأزمات، مما يسهل تقدم قواتها على الأرض.
أبرز الهجمات السيبرانية على أوكرانيا
1. هجوم “HermeticWiper” على أنظمة الحكومة والبنوك
قبل ساعات من الغزو العسكري، شنت مجموعات قرصنة روسية هجوماً واسع النطاق باستخدام برامج مسح البيانات (Data Wipers) مثل HermeticWiper. كان الهدف هو تدمير البيانات على الأجهزة المستهدفة، مما أثر على أنظمة الحكومة والقطاع المصرفي. لم يكن هذا الهجوم يهدف إلى سرقة المعلومات، بل إلى تدميرها بشكل كامل، وهو تكتيك يبرز الطبيعة التخريبية للحرب السيبرانية.
2. استهداف شبكة الاتصالات الأوكرانية “Kyivstar”
في ديسمبر 2023، تعرضت أكبر شبكة اتصالات في أوكرانيا، Kyivstar، لهجوم سيبراني ضخم أدى إلى قطع خدمات الهاتف والإنترنت عن ملايين المستخدمين. استغرقت عملية استعادة الشبكة أسابيع. أعلنت مجموعة Sandworm، المرتبطة بالاستخبارات العسكرية الروسية، مسؤوليتها عن الهجوم. هذا الهجوم لم يكن يهدف إلى سرقة البيانات، بل إلى إحداث شلل كامل في الاتصالات المدنية والعسكرية على حد سواء.
3. هجمات DDoS ضد المؤسسات المالية والحكومية
تعد هجمات الحرمان من الخدمة (DDoS) من أكثر الهجمات شيوعاً خلال الحرب. استهدفت مجموعات مثل Killnet مواقع ويب حكومية ومؤسسات مالية أوكرانية بشكل متكرر، مما أدى إلى حجب الوصول إليها وتعطيل الخدمات. على الرغم من أن هذه الهجمات لا تسبب أضراراً مادية مباشرة، إلا أنها تخلق حالة من الفوضى وتعيق قدرة الدولة على التواصل مع مواطنيها وتوفير الخدمات الأساسية.
الدروس المستفادة
الحرب السيبرانية الروسية الأوكرانية قدمت دروساً قيمة للمجتمع الدولي:
- لا يوجد فصل بين الحرب التقليدية والسيبرانية: أصبحت الهجمات السيبرانية جزءاً لا يتجزأ من التخطيط العسكري الحديث.
- أهمية حماية البنية التحتية الحيوية: يجب على الدول الاستثمار بشكل كبير في حماية قطاعات الطاقة والاتصالات والنقل من الهجمات الرقمية.
- التعاون الدولي ضروري: أثبتت الحرب أن تبادل المعلومات والتعاون بين الدول يمكن أن يعزز من قدرات الدفاع السيبراني الجماعية.
في النهاية، تثبت هذه الحرب أن الأمن السيبراني لم يعد مجرد مسألة فنية، بل أصبح جزءاً حاسماً من الأمن القومي.




